المحور الواحد والعشرون :
"الإصلاح السياسي خيار ثابت ومسار لا يتوقف".
اختتمت يوم 21 أكتوبر 2004 بمقر الحملة الانتخابية للرئيس زين العابدين بن علي سلسلة منابر الحور التي تم خلالها شرح وتوضيح مضامين البرنامج الإنتخابي للرئيس بن علي، وشاركت فيها أعداد كبيرة من الجامعيين والأكادميين والمختصين الذين ساهموا بالنقاش والحوار في إثراء المحاضرات التي ألقيت طوال أيام الحملة الإنتخابية. وكان المنبر الأخير حول : "الإصلاح السياسي خيار ثابت ومسار لا يتوقف".
الإصلاح السياسي يحتل موقع الصدارة في فكر الرئيس بن علي وأحد ثوابت جمهورية الغد
 أكد السيد زهير المظفر، المدير العام للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية وأستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية في مستهل مداخلته أنه ليس من باب الصدفة أن يحتل هذا المحور النقطة الختامية الواحدة والعشرين من البرنامج الانتخابي للرئيس بن علي، ذلك أنه يترجم فلسفة الإصلاح التي تضمنتها بقية النقاط العشرين، وهي لئن كانت إصلاحات اقتصادية واجتماعية وتربوية وثقافية وشبابية فإنها ليست بمنأى عن الإصلاحات السياسية فكل ما هو اجتماعي أو اقتصادي له وجه سياسي باعتبار أن الإصلاح هو أحد ثوابت جمهورية الغد.
وأبرز في هذا السياق تعدّد الإصلاحات السياسية التي تحققت منذ تغيير السابع من نوفمبر وثراء مضامينها حيث تم خلال السنة الأولى من التغيير المصادقة على 140 قانونا وإصدار الميثاق الوطني الذي أجمعت عليه مختلف العائلات السياسية والمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني الذي أرسى ديمقراطية جديدة فضلا عن إصدار قوانين أخرى في مجالات تنظيم الأحزاب السياسية والمجلة الانتخابية والنشاط الجمعياتي والصحافة، بالإضافة إلى التشريعات المعززة لحقوق الإنسان والمرسخة للمجتمع المدني.
وأكد أن مرجعية فكر الإصلاح في تونس لم تنطلق من عدم بل جاءت مواصلة لمسيرة روّاد الإصلاح الحديث ومن أبرزهم المصلح خير الدين باشا والطاهر الحداد والزعيم الحبيب بورقيبة، وهو ما يؤكد أن حركة الإصلاح السياسي في تونس هي عملية متجذرة منذ القرن التاسع عشر وجاء تغيير السابع من نوفمبر ليضيف إليها ويثريها تدعيما لقيم الجمهورية ولسيادة الشعب.
ثم تناول المحاضر هذا الموضوع من خلال محاور ثلاثة، وهي على التوالي ميزات الإصلاح السياسي ثم مظاهره في تونس منذ التحول، وأهم الإضافات والمضامين التي جاءت في البرنامج الانتخابي للرئيس زين العابدين بن علي.
أولا : ميزات الإصلاح السياسي :
أوضح السيد زهير المظفر أن منظومة الإصلاح السياسي في فكر الرئيس بن علي تستند إلى ثلاثة خصائص وهي استباق الأحداث واستشراف المستقبل والتدرج في الإصلاح والاستفادة من تجارب الآخرين :
1) استباق الأحداث واستشراف المستقبل :
شدّد في هذا السياق على أن الإصلاح السياسي ارتكز منذ التحول على إعادة السيادة للشعب والقطع المبكر مع عقلية الحزب الواحد وإقامة جمهورية الغد التعددية وذلك من خلال:
* ترسيخ مقومات المجتمع المدني.
* تعزيز دور المرأة في الحياة السياسية وإضفاء الصبغة الدستورية على المبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية.
* اعتماد خطاب سياسي جديد يقوم على ترسيخ مبادئ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان و الاعتدال والوسطية ونبذ كافة أشكال العنف والتطرف.
* الانخراط المبكر في مجتمع المعرفة والاقتصاد المعولم من خلال انضمام تونس إلى المنظمة العالمية للتجارة والتي كانت كذلك أول دولة في جنوب المتوسط توقّع على اتفاق شراكة مع الإتحاد الأوروبي.
* اعتماد عناصر الحكم الرشيد الذي يقوم على الشفافية والمشاركة الموسعة في الشأن العام.
* اعتماد مقاربة متكاملة لحقوق الإنسان جعلت من الدستور التونسي متقدما على بعض الدساتير الأخرى في هذا المجال.
* تأكيد بعد التضامن بين الأجيال.
* التنصيص على انتخاب رئيس الجمهورية في دورتين، مبرزا في هذا السياق أنه بالرغم من أن الرئيس بن علي هو محل إجماع وطني فإن الإصلاح السياسي في فكر بن علي حرص على أن لا يكون فقط معبّرا عن واقع اليوم بل أن يكون صالحا لأجيال المستقبل وهو ما يبرز الإرادة السياسية للرئيس بن علي لإرساء قاعدة قانونية دستورية للإصلاح السياسي.
2) التدرج في الإصلاحات :
وذلك باعتماد الرئيس بن علي على مقاربة تقوم على تطوير التشريعات وفقا لتطور المجتمع وكان ذلك بصفة مرحلية منذ فجر التحول. وأشار إلى أن ذلك تجسم في تعزيز صلاحيات المؤسسات الدستورية التي أحدثت بعد التغيير وفي مقدمتها المجلس الدستوري وتطوير المجلة الانتخابية وإدخال نظام اقتراع جديد يدمج بين نظام الأغلبية والنظام النسبي وهو ما مكن من تجسيم التعددية في الهيئات المنتخبة في المجالس الجهوية ومجلس النواب. وهو يقيم الدليل على أن الإصلاح السياسي في فكر الرئيس بن علي هو مسار يترسخ بصفة تدريجية لإرساء التعددية في دولة قوامها القانون والمؤسسات.
3) الاستفادة من تجارب الغير :
أوضح المحاضر أنه إذا كان هذا الإصلاح تونسيا ضاربا بجذوره في حركة الإصلاح، فإنه أخذ أيضا من تجارب الغير، ولعل أبلغ مثال على ذلك هو إصدار القانون المنظم للأحزاب في 3 ماي 1988، الذي استفاد من التجربة المريرة لبعض الدول التي انقلب فيها نظام الحزب الواحد إلى فوضى حزبية، الأمر الذي أدى بها إلى حالة من عدم الاستقرار والتطاحن السياسي وعودة النزاعات العرقية والطائفية والجهوية وانتشار التطرف والإرهاب. ولذلك حظر القانون المنظم للأحزاب في تونس، في فصله الثالث قيام أي حزب يستند أساسا في مستوى مبادئه أو أهدافه أو نشاطه أو برامجه على دين أو لغة أو عنصر أو جنس أو جهة. كما ألزم هذا القانون كل حزب سياسي بنبذ العنف بكل أشكاله والتطرف والعنصرية وكل الوجوه الأخرى للتمييز.
وأضاف أن وجود ثمانية أحزاب معارضة معترف بها اليوم يقيم الدليل على عقلنة التعددية السياسية في تونس وعلى إرادة سياسية لدى الرئيس بن علي في جعل قانون الأحزاب في تونس مرجعا لعديد الدول.
ثانيا : مظاهر الإصلاح السياسي :
أوضح المحاضر أن ذلك تجلى من خلال عديد المبادرات التي أذن بها الرئيس بن علي والتي شملت مختلف الجوانب السياسية كان من أبرزها : إعادة السيادة للشعب وردّ الإعتبار لقيم الجمهورية واستكمال مؤسسات النظام الجمهوري وترسيخ دولة القانون وتعزيز حقوق الإنسان :
* إعادة السيادة للشعب وردّ الإعتبار لقيم الجمهورية :
شدد على أن الإصلاح السياسي ارتكز منذ التحول على إعادة السيادة للشعب ورد الإعتبار للنظام الجمهوري وتم في هذا الإطار إلغاء الرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية وصولا إلى التعديل الجوهري الأخير للدستور إضافة إلى الإصلاحات التي شملت بالخصوص المجلة الانتخابية وآخرها تعديل 4 أوت 2004 وتوسيع مجال الاستفتاء الذي يتيح لرئيس الجمهورية دعوة الشعب للتعبير عن إرادته في المسائل التي تهم المصلحة العليا للوطن. وقد بادر الرئيس بن علي ولأول مرة في تاريخ تونس، بعرض الإصلاح الجوهري للدستور سنة 2002 على الاستفتاء. كما تعززت قيم الجمهورية بترسيخ مبادئ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وقيم التضامن والتسامح والاعتدال والوسطية ونبذ كل أشكال العنف والتطرف. وتدعمت هذه القيم بإضفاء الصبغة الدستورية على المبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية بما جعل حقوق المرأة جزء أساسيا من حقوق الإنسان.
* ترسيخ دولة القانون التي كانت من أبرز خيارات العهد الجديد وهي ترتبط أساسا بتكريس حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية وتجسيم الحكم الرشيد والتأكيد على أن جمهورية الغد تقوم على مبادئ دولة القانون وجعل الدستور ينسجم مع منظومة الإصلاح في فكر الرئيس بن علي. وأوضح أن الدستور التونسي بعد تعديله في غرة جوان 2002 يعكس بوضوح المبادئ التي يقوم عليها المشروع المجتمعي للتغيير وهي مبادئ دولة القانون التي ارتبطت منظومتها الفكرية بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية. كما يستجيب الدستور للتطور الهام الذي شهدته المنظومة الفكرية الدولية في هذا المجال، فمبادئ دولة القانون والمؤسسات ترتبط اليوم بمفاهيم حقوق الإنسان والشفافية والحكم الرشيد والتي تدعو إليها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية فضلا عن إرساء سلطة قضائية مستقلة.
* استكمال مؤسسات النظام الجمهوري :
أبرز أن ترسيخ دولة القانون اقترن باستكمال مؤسسات النظام الجمهوري التي كان من أبرزها تدعيم استقلال السلطة القضائية الذي كان في طليعة الإصلاحات السياسية وتجسّم خاصة في إلغاء محكمة أمن الدولة وخطة الوكيل العام للجمهورية وكذلك من خلال إحداث مؤسسات جديدة تدعم دولة القانون ومن أبرزها المجلس الدستوري ومجلس المستشارين وخطة الموفق الإداري والهيئة العليا لحقوق الإنسان.
وأشار في هذا السياق إلى أن إحداث المجلس الدستوري جاء مكرسا لعلوية الدستور ومستجيبا لمتطلبات اكتمال الديمقراطية وسيادة الشعب. وكذلك الشأن بالنسبة لإحداث مجلس المستشارين الذي يهدف إلى ضمان تمثيل أوسع للجهات ولمختلف مكونات المجتمع ومن ضمنها الجالية التونسية المقيمة بالخارج، وإلى إثراء الوظيفة التشريعية والحياة السياسية بصفة عامة.
وأبرز أن الإصلاح السياسي تجلى من خلال تكريس التعددية في الهيئات المنتخبة حيث تحتل المعارضة حاليا 34 مقعدا داخل البرلمان و243 مقعدا داخل المجالس البلدية. كما تم أيضا إدخال أحكام استثنائية على الفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور بهدف تكريس تعددية الترشحات لرئاسة الجمهورية.
وتحدث المحاضر أيضا عن تأهيل العمل غير الحكومي وتغيير النظرة إليه باعتباره ليس منافسا للسلطة وإنما مساعدا لها. فالديمقراطية تقتضي إطلاق المبادرة في الفضاءات المدنية حتى تنشأ الجمعيات والنوادي وتخلق حركية فكرية واجتماعية تشارك فيها شرائح عديدة من المجتمع وتمارس من خلالها حقها في البناء الوطني.
وعدّد في هذا السياق، الإجراءات المشجعة والداعمة التي تم إقرارها منذ التعديل الذي أدخل على قانون الجمعيات في 2 أوت 1992، حيث تم إلغاء شرط الحصول على التأشيرة القانونية لتكوين الجمعيات، مشيرا إلى أن عددها يبلغ اليوم أكثر من 8400 جمعية مقابل حوالي 2000 في سنة 1988. ويؤكد هذا النمو المتصاعد لعدد الجمعيات، تنامي الوعي الفردي والجماعي بأهمية الظاهرة الجمعياتية في عملية التنمية الشاملة للبلاد في عهد التغيير.
* تعزيز حقوق الإنسان : باعتبارها من أبرز مقومات المشروع المجتمعي في الفكري الإصلاحي للرئيس بن علي وقد تعددت الإصلاحات في هذا المجال منذ التحول وشهدت دفعا جديدا في جمهورية الغد التي جاءت لتجعل هذه الحقوق ركيزة أساسية من ركائزها ولتختزل بعمق الفلسفة التي تقوم عليها هذه الحقوق في العهد الجديد بما جعل الدستور التونسي في طليعة الدساتير الضامنة لها. فقد نصت الفقرة الأولى من الفصل الخامس من الدستور في تعديل غرة جوان 2002 على أنه : "تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها".
وضمانا لهذه الحقوق فقد شملت الإصلاحات السياسية بالخصوص إحداث آليات جديدة تسهر على احترامها، من ذلك تعزيز صلاحيات السلطة القضائية في هذا المجال باعتبارها الضامنة لحقوق الأفراد وإحداث هيئة عليا لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان وتدريسها والتعريف بمبادئها.
ثالثا : دفع المسار الإصلاحي وتعزيزه في تونس :
أوضح المحاضر أن الإصلاح السياسي خيار ثابت ومسار لا يتوقف وهو في صدارة الإصلاحات التي أكدها الرئيس بن علي في برنامجه الانتخابي لتونس الغد. وهذا الإصلاح يقوم أساسا على مزيد ترسيخ المسار الديمقراطي التعددي وتعزيز الديمقراطية المحلية باعتبارها المدرسة الأولى للديمقراطية والمحك الحقيقي للتنافس السياسي وتعزيز مكانة المرأة في الحياة العامة ومشاركتها في مختلف المؤسسات والهياكل وفي مواقع التسيير والقرار، وكذلك التشريك الأوسع للشباب من خلال إقرار جملة من التشجيعات لحثه على ممارسة النشاط السياسي والجمعياتي ومزيد دعم دور الإعلام في التعريف ببرامج الأحزاب ونشاطاتها وتوسيع فضاءات الحوار في مختلف مؤسسات الإعلام الوطنية ودفع المبادرة الخاصة في هذا المجال.
وأضاف أن ترسيخ المسار الديمقراطي التعدّدي يرتبط أيضا بدعم دور المجتمع المدني بما يجعله رافدا أساسيا من روافد المشاركة في عملية التنمية الشاملة وكذلك تعزيز دور السلطة القضائية في مجال ضمان حقوق الإنسان ومزيد نشر ثقافة المواطنة عبر البرامج التربوية والإعلامية.
واختتم السيد زهير المظفر، مداخلته بالتأكيد على أن الإصلاح السياسي في تونس الذي التفت حول أهدافه كافة مكونات المجتمع المدني في وفاق وطني كبير دعم قيم الجمهورية والتعددية، غير المرتكزة على منطلقات دينية أو عرقية أو جهوية أو قبلية، بما يرسخ دولة القانون ويضمن الحريات العامة ويرتقي بمنظومة حقوق الإنسان إلى مرتبة عليا وكذلك يرسخ قيم التضامن والتسامح والاعتدال والوسطية، وهو مسار متواصل في المشروع الحضاري للرئيس بن علي.
|